سيد قطب

3435

في ظلال القرآن

« وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ . كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها ، فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ » . . وهكذا تختصر قصة فرعون وملئه في طرفيها : مجيء النذر لآل فرعون وتكذيبهم بالآيات التي جاءهم بها رسولهم . وأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر . والإشارة إلى العزة والاقتدار تلقي ظلال الشدة في الأخذ ؛ وفيها تعريض بعزة فرعون واقتداره على البغي والظلم . فقد ضاعت العزة الباطلة ، وسقط الاقتدار الموهوم . وأخذه اللّه - هو وآله - أخذ عزيز حقا مقتدر صدقا . أخذهم أخذا شديدا يناسب ما كانوا عليه من ظلم وغشم وبطش وجبروت . وعلى هذه الحلقة الأخيرة على مصرع فرعون الجبار . يسدل الستار . . والآن . وقد أسدل الستار على آخر مشهد من مشاهد العذاب والنكال . والمكذبون يشهدون ؛ ويتلقى حسهم إيقاع هذه المشاهد . . الآن والمصارع المتتالية حاضرة في خيالهم ، ضاغطة على حسهم . . الآن يتوجه إليهم بالخطاب ؛ يحذرهم مصرعا كهذه المصارع . وينذرهم ما هو أدهى وأفظع : « أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ ؟ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ؟ أَمْ يَقُولُونَ : نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ؟ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ . بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ . إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ : ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ . إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ . وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ . وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ . وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ . وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ » . . إنه الإنذار بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ؛ وإسقاط كل شبهة وكل شك في صدق هذا الإنذار وسد كل ثغرة وكل طمع في الهرب والفكاك ؛ أو المغالطة في الحساب والفرار من الجزاء ! تلك كانت مصارع المكذبين . فما يمنعكم أنتم من مثل ذلك المصير ؟ « أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ ؟ » . . وما ميزة كفاركم على أولئكم ؟ « أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ » . . تشهد بها الصحائف المنزلة ، فتعفو إذن من جرائر الكفر والتكذيب ؟ لا هذه ولا تلك . فلستم خيرا من أولئكم ، وليست لكم براءة في الصحائف المنزلة ، وليس هنالك إلا لقاء المصير الذي لقيه الكفار من قبلكم في الصورة التي يقدرها اللّه لكم . ثم يلتفت عن خطابهم إلى خطاب عام ، يعجب فيه من أمرهم : « أَمْ يَقُولُونَ : نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ » . وذلك حين يرون جمعهم فتعجبهم قوتهم ، ويغترون بتجمعهم ، فيقولون : إنا منتصرون لا هازم لنا ولا غالب ؟ هنا يعلنها عليهم مدوية قاضية حاسمة : « سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ » . . فلا يعصمهم تجمعهم ، ولا تنصرهم قوتهم . والذي يعلنها عليهم هو القهار الجبار . . ولقد كان ذلك . كما لا بد أن يكون ! قال البخاري بإسناده إلى ابن عباس - : إن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال وهو في قبة له يوم بدر : « أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدا » . فأخذ أبو بكر رضي اللّه عنه